ابن عربي
475
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ولكن علم اللّه قدرها وانتهاءها وكرورها ، فحدث عن تلك الحركة اليوم ، ولم يكن ثمّ ليل ولا نهار في هذا اليوم ، ثم استمرت حركات هذا الفلك ، فخلق اللّه ما شاء من الأملاك والأفلاك والدار الدنيا والدار الآخرة ، وخلق الجان من النار والطير والدواب البرية والبحرية والحشرات ، ولما استوت المملكة وتهيأت ما عرف أحد من هذه المخلوقات كلها من أي جنس يكون الخليفة الذي مهّد اللّه هذه المملكة لوجوده . واعلم أن هؤلاء الاثني عشر ملكا هم لأهل الجنة كالعناصر لأهل الدنيا ، جعل لكل نائب من هؤلاء الأملاك الاثني عشر في كل برج ملكه إياه ثلاثين خزانة ، تحتوي كل خزانة منها على علوم شتى ، يهبون منها لمن نزل بهم على قدر ما تعطيه رتبة هذا النازل ، وهذه الخزائن تسمى عند أهل التعاليم درجات الفلك ، والنازلون بها هم الجواري ، والمنازل وعيوقاتها من الثوابت ، والعلوم الحاصلة من هذه الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عالم الأركان من التأثيرات ، بل ما يظهر من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى الأرض ، وسميت ثابتة لبطئها عن سرعة الجواري السبعة ، وجعل لهؤلاء الاثني عشر نظرا في الجنات وأهلها وما فيها مخلصا من غير حجاب ، فما يظهر في الجنان من حكم فهو عن تولي هؤلاء الاثني عشر بنفوسهم ، تشريفا لأهل الجنان ، وأما أهل الدنيا وأهل النار فما يباشرون ما لهم فيها من الحكم إلا بالنواب ، وهم النازلون عليهم ، فكل ما يظهر في الجنات من تكوين وأكل وشرب ونكاح وحركة وسكون وعلوم واستحالة ومأكول وشهوة ، فعلى أيدي هؤلاء النواب الاثني عشر من تلك الخزائن بإذن اللّه عزّ وجل الذي استخلفهم ، ولهذا كان بين ما يحصل عنهم بمباشرتهم وبين ما يحصل عنهم بغير مباشرتهم - بل بواسطة النازلين بهم الذين هم لهم في الدنيا والنار كالحجاب والنواب - بون عظيم وفرقان كبير ، فهؤلاء النواب الاثنا عشر هم الذين تولوا بناء الجنات كلها إلا جنة عدن ، فإن اللّه خلقها بيده ، وجعل بأيديهم غراس الجنات إلا شجرة طوبى ، فإن الحق تعالى غرسها بيده في جنة عدن ، وأما البروج فهي الفروض المؤقتة الاثنا عشر شهرا ، وبقطع الشمس الفروض تسمى الشهر ، وسمي قطع الفروض كلّها السنة الشمسية . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 2 إلى 3 ] وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ( 2 ) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ( 3 ) الحق تعالى لا يصح أن يقسم بما ليس هو ، لأن المقسوم به هو الذي ينبغي له العظمة ،